"مصطفى جاب الله.. النحات الذي أنقذ أبو الهول من الانهيار
خلونا نحكي شوية عن مبدعي المحروسة، الموجودين في كل حتة وكل زمان ..
والنهارده هنحكي حدوتة عجيبة شويتين 😃
عن شخص تسبب في إيقاف عمل فريق اليونيسكو لترميم أبو الهول، ليقوم هو بترميمه وإنقاذه من الإنهيار بنفسه!!
الرجل الذي كان سيدخل السجن نتيجة أعماله المنحوتة، والتي ظن الجميع بمن فيهم الخبراء أنها آثار وعمرها آلاف السنين وهو يقوم بسرقتها وتهريبها 😃
هنحكي النهارده عن واحد اسمه: مصطفى جاب الله علي سليمان
خليكم معايا 😃
الحكاية بدأت من صعيد مصر، قرية البهنسا التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، هذه المحافظة البديعة، العامرة والزاخرة بالآثار الفرعونية والرومانية والإسلامية.
في عام 1939، وُلد الطفل مصطفى جاب الله
والده كان مزارع في الأصل، بجانب أنه كان يعمل بتجارة الآثار، حيث يعثر على التماثيل الأثرية ويقوم ببيعها والتكسب من ورائها!! وفي هذا التوقيت كانت هذه المهنة غير مجرمة ولا تشوبها شائبة، بل على العكس، كانت المحلات التي تتعامل في بيع الآثار تحصل على ترخيص لمزاولة هذا الأمر!! وكان هذا التوقيت هو فترة العهد الملكي وبعدها بمدة كبيرة كمان، ولم يتم تجريم الأمر إلا في نهايات السبعينيات، وصولاً إلى التمانينيات التي صنفتها على أنها جريمة كبرى.
تفتحت عيون هذا الطفل على بيئة تحاوطه فيها الآثار بكل صنوفها والوانها، ومهنة يتقنها والده وتجارة موروثة لتشكل حياته القادمة فيما بعد!
في هذه الفترة لم يكن التعليم له قدر كبير وأهمية مثل هذه الأيام، وعليه فالطفل مصطفى وبعد أن كان يدرس في المدرسة الإبتدائية ببهنسا، وحصل على شهادة الإبتدائية القديمة، قام بترك المدرسة ليقوم بمساعدة أبيه في أعماله.
لاحظ الأب أن الابن لديه موهبة متفردة في إعادة ترميم التماثيل المكسورة والمتصدعة، وجعله هو المسئول عن هذا الأمر في التماثيل التي ترد إليه، حتى نمت لدى مصطفى الابن هواية نحت التماثيل بنفسه، وصنع أشكال وتماثيل جديدة، ليبدأ من بعدها التفرد والتحليق منفردًا في سماء إبداع صنعها لنفسه.
وكما كان حظه من التعليم قليل، فإن الأقدار أيضًا فاجئته بصدمة كبيرة في عمره المبكر، حيث أصيب بما يشبه الصمم الكامل، وأثر ذلك أيضًا على قدرته على الكلام والتحدث بطريقة سليمة، وقد يكون ذلك هو ما جعله أكثر إخلاصًا وتركيزًا لموهبته، وجعله يتفرغ لها بشكل شبه كامل، نتيجة شبه إنعزاله عن الدنيا.
أخذ مصطفى جاب الله يصنع وينحت تماثيل كثيرة، بهدف الهواية وإشباع موهبته، إلا أنه أيضًا كانت لديه "خلطة" عبقرية صنعها بنفسه، ولم يفصح عن سرها لأي شخص في الدنيا، حتى قبل رحيله، هذه الخلطة كان يقول عنها أنها عبارة عن تركيبة من أملاح الأرض وطينها بنسب معينة، ويضع عليها بعض الزيوت، لتصنع "تركيبة" تشبه سر التحنيط، ليقوم الفنان مصطفى جاب الله بدهن تماثيله بها، لتبدو وكأن عمرها آلاف السنين!! ولا يستطيع الخبراء أنفسهم التفرقة بينها وبين القطع الأصلية الحقيقية!
أخذ مصطفى يصنع وينحت، وكان الناس من حوله يشترون منه هذه التماثيل بكثرة، وظن في البداية أنهم يشترونها منه لجمالها ودقة صنعها، إلا أنه فطن إلى أن هؤلاء الناس يبيعونها للسياح على أنها تماثيل أصلية، ويربحون من وراء أعماله الكثير من الأموال وهو لا يدري أي شيء عن هذا الأمر 😃
حتى جاء يوم، فوجيء مصطفى بالشرطة تقبض عليه وتتهمه بالإتجار في الآثار، وأخذت تماثيله التي نحتها بنفسه، ونسبت إليه سرقتها ومن ثم الإتجار فيها!
وقتها كان هذا الأمر قضية رأي عام، وقاموا بتشميع منزله وورشته التي ينحت بها، وحاول أن يُفهمهم أن هذه هي أعماله التي نحتها بيديه، وأنه لا علاقة له بالآثار ولا سرقتها، إلا أن رأي الخبير أوضح أن عمر هذه التماثيل أكثر من 4 آلاف عام، وهو يكذب عليهم!!
ووصل الأمر في النهاية أنهم حكموا عليه بعام مع الشغل في السجن، إلا أنه بفضل فطنته وعبقريته الفطرية، توصل إلى حيلة ما، فطلب من القاضي أن يتركهم يجلبوا إليه أدوات النحت الخاصة به، وقطع أحجار، وسوف يثبت له براءته في الأخير 😃
وجاءت الجلسة الهامة، وفي أثناء الجلسة قام محامى مصطفي جاب الله ليترافع عنه، إلا أن مصطفى طلب من القاضى أن يدافع هو عن نفسه، وقدم مصطفى جاب الله التمثال للقاضى قائلًا له:
هذا التمثال نفس التمثال الذى تم ضبطة معى
فرد القاضى: نعم
وهنا طلب مصطفى من القاضي أن يكسر التمثال
فكسر التمثال القاضى وعندها لاحظ الناس أن هناك نقودًا معدنية حديثة تخرج من بين كسر التمثال 😃 (كان قد وضعها مصطفى جاب أثناء نحته للتمثال)
فقال مصطفى للقاضي: هل الآثار الحقيقة تكون بداخلها نقود معدنية حديثة
فقال له القاضي: بالطبع لا
فقال له مصطفى جاب الله: إذاً براءة يا سيدي القاضي
وحصل مصطفى جاب على البراءة فورًا 😃
ومن بعد هذه الحادثة الشهيرة ذاع صيت مصطفى جاب الله في أرجاء المحروسة، ولُقب بـ "الفنان التلقائي" أو "الفنان الفطري"، واستخرج بعدها رخصة رسمية لمزاولة مهنة النحت.
وتم تعيينه في وزارة الثقافة تحت مسمى وظيفي "خبير نحت"، واكتسب شهرة وصيت لدرجة ان الرئيس السادات بنفسه كان يفتتح معارضه، ويُرسل إليه البرقيات في كثير من المناسبات الثقافية ليشارك بها مصطفى جاب، وجعله ينقل معارضه الفنية من بني مزار بالمنيا إلى قلب القاهرة، ليراه الجميع ويتعلموا منه، ويصبح مصطفى جاب الله "الفنان التلقائي" غير المتعلم صاحب طريقة ومنهاج في فن النحت، وله مدرسته الخاصة في أصول الترميم والتعامل مع الآثار.
بعد ذلك بفترة، وفي اوائل التمانينيات، علم مصطفى جاب الله أن هناك بعثة من اليونيسكو آتية لترميم تمثال أبو الهول، وذلك بطريقة الحقن، الأمر الذي حكى مصطفى بنفسه عنه أن ذلك في منتهى الخطورة، وقد يؤدي إلى إنهيار التمثال بالكامل، حيث كانت وجهة نظره -كعبقري في فن النحت- أن التمثال يجب أن يُعالج من نفس مادة الخامة التي صنع منها، وبأسلوب ترميمي معين، وأرسل مذكرة إلى المسئولين يوضح لهم فيها هذا الأمر، وأوضح لهم أنه لن يتقاضى أي أموال نظير هذا العمل القومي الهام.
وبالفعل استجاب المسئولين في النهاية لوجهة نظره، ولم يتركوا الأمر لفريق اليونيسكو، وتركوه برمته بين أيدي العبقري الفطري مصطفى جاب الله، الذي أنجز المهمة على أكمل وجه، وقام بإنقاذ تمثال أبو الهول برؤيته وعبقريته.
ظل مصطفى جاب الله يعمل خبير نحت في وزارة الثقافة حتى خرج على المعاش في عام 1999، وقام بعدها بافتتاح متحفه الخاص، وخصص له مكانًا، وكتب عليه من الخارج "دار ثقافة حرة .. متحف حضاري البهنسا" .. وأضحى هذا المتحف لسنوات طوال قبلة السياحة والناس التى تأتي إليه من كل حدب وصوب، وكذلك طلاب العلم الذين يأتون إلى المتحف للتعلم من عبقرية الفنان التلقائي مصطفى جاب الله، والذي اطلقوا عليه فيما بعد لقب "عاشق الحجر"، وأيضًا لقب "شيخ النحاتين"
مصطفى جاب الله لما تشوفه كما ظهر في كثير من الوثائقيات، عبارة عن رجل بسيط جدًا، نحيل، يمتلك ذاكرة قوية، وقدر كبير بالفخر والرضا عن نفسه وعن فنه وتراثه الذي تركه، والكثير من الإيمان بالله وحكمة الأقدار .. هو رجل مصري صعيدي عبقري بحق
عاش مصطفى جاب حياة طويلة، تخطت الثمانون عامًا، وله من الأولاد والأحفاد ما يزيد عن 75 فرد 😃
عندما سُئل جاب الله عن آخر طموحاته ومشاريعه الفنية التي يريد أن يقدمها، كان رده أنه يحلم أن يصنع تمثالاً كبيرًا مثل أبو الهول ويكون مكانه سيناء
مصطفى جاب الله عبقرية فطرية تلقائية نادرة، ويمكن كتير منكم ميسمعش عنها ولا عن تاريخها وتفردها، لذا فخير تحية لمثل هؤلاء أن نتذكرهم ونتذكر علاماتهم المضيئة التي تركوها في سماء المحروسة.
ولنتذكر دائمًا أن المحروسة دائمًا عامرة بالمواهب وولَّادة للمبدعين والعباقرة في كل الأوقات، علشان كده خلونا نفتكرهم دايمًا، ونعطيهم قدرهم الذي يستحقونه.
بعد سنوات من العطاء، افتتح متحفه الخاص، الذي أصبح قبلة للسياح والمهتمين بفن النحت. لُقّب بـ"عاشق الحجر" و"شيخ النحاتين"، وظل رمزًا للإبداع الفطري حتى وفاته، تاركًا إرثًا فنيًا وتاريخيًا يخلده بين عظماء فناني مصر.